|
هناك خصوصية للفكر العربي بشكل خاص و الشرقي بشكل عام من حيث التعتيم و التكتم و عدم الوضوحية و ظهرت إبداعات عالمية و أصول معرفية دون أن تستند على قوانين و نظريات مدونة وبقيت الأسس المعرفية في المجهول وحرص فلاسفة الشرق وكهنته على إبقاء المعرفة بعيدا عن متناول العامة و تفسر إما بالسحر أو الصدفة .
ومن ناحية أخرى كان نمط الحكم و إلى حد قريب يعتمد على أشخاص تتجمع لديهم كل القوة وجميع الصلاحيات وهذا الشخص لا يطوله العرف و القانون رغم وجود مؤسسات و لكنها غير دستورية ما كرس صفات التكتم و عدم الوضوحية و جعلها من خصائص أخلاقية الفرد العربي. إن ما يدور الآن عن الشفافية يتعلق فقط بالمنظار الاقتصادي وحب الرشوة و تبديد الأموال و سلب منافع المجتمع وهدم التنمية الاقتصادية ولكن الشفافية لها أبعاد أخرى في المجال الاجتماعي و السياسي، ففي المجال الاجتماعي نبدأ من التعامل داخل الأسرة و المدرسة و الشارع بالمصارحة و المكاشفة بين مختلف الجماعات للوصول إلى تقبل الآخر أو معالجة ممارسة غير مقبولة للتمكن من علاجها .أما الشفافية في المجال السياسي فالعلاقة بين المسؤولين أنفسهم و بين المسؤولين و الشعب يجب أن تكون واضحة فالشعب يطلع على أبعاد سياسة الحكومة وما تهدف إليه من معاهدات و مواثيق وقرارات تقرر مصير البلد و تهدد أمنه ووحدته. و يأتي السؤال لماذا نفتقد الشفافية في مجتمعنا في الوقت الحالي؟ الجواب هو عدم وجود قوانين ردع كافية ومحاكم تحاسب المسيء. التغيرات السياسية و الاقتصادية التي ترمي أصحاب السلطة فجأة إلى هاوية الفقر والحرمان. غياب آليات الردع المجتمعي فالمعايير الأخلاقية تعتمد على ميزان القوة . التدهور الثقافي و تسلق السلم الوظيفي دون المرور بالتدرج و مراتب السلم الوظيفي. تزايد الحاجات الإنسانية و تنوعها بحيث لا تكفي الدخول لسد النفقات. عرفت الشفافية بأنها الوصول إلى المعلومات و تتزايد دقة الشفافية كلما كان الوصول إلى المعلومات يخلو من التعقيدوكانت واضحة لا غموض فيها و يمكن الاطلاع عليها. وينتج عنها ان دراسة هذه المعلومات تصب في المصلحة العامة ومصلحة اكبر عدد من الناس. إن الوصول إلى درجة عالية من الشفافية يتطلب إصلاح مراتب الدرجات الوظيفية بما تحمله من العمالة المقنعة و إيجاد فرص عمل دون عمل كي لا يكون هناك ترهل يؤدي إلى ضياع المعلومات و اختفائها . ليس من السهل الوصول إلى تطبيق كامل للشفافية فبعد خمسة آلاف سنة من ممارسة شتى أنواع الضغط و الحرمان و القهر تحول العالم إلى قرية صغيرة تتدفق فيه المعلومات بسرعة فائقة و أصبح ما يحدث في دولة يؤثر بالضرورة في دولة أخرى و الحاجة الان ضرورية لممارسة الشفافية التي لها علاقة كبيرة بالحقوق الممنوحة للإنسان و انتهاك هذه الحقوق يعرض الإنسان للمساءلة و المحاسبة و تعتبر منظمة العمل الدولية إن المساءلة و الشفافية مفهومان يعزز كل منهما الآخر فبوجود المساءلة توجد شفافية و بوجود الشفافية توجد مساءلة وهما ركن من أركان الحكم الصالح . إن تطبيق الشفافية يحتاج إلى أمرين، وطني يتمثل في توفير البيانات المتعلقة بالحسابات الوطنية و ميزان المدفوعات وتكلفة المعيشة و احتساب التكلفة الحقيقية للمعيشة و بما إن الحكومة هي المصدر الرئيسي للمعلومات في الدول النامية والمستخدم لها لذا يفضل فصل القوى الثلاث المكونة من قوة السلطة و قوة المال و قوة المعرفة و تعدد مراكز المعلومات يجعل من الصعوبة القيام بالرشا و السرقات الكبرى. و الآخر عالمي بأن يوضع عهد دولي تلتزم فيه الأطراف كافة و خاصة الدول التي لا تخضع للشفافية و تتعالى فيها درجة الفساد الإداري فتفرض عليها عقوبات اقتصادية و تمنع عنها المنح والمعونات لعدم التزامها. إن التغذية بمعلومات رديئة تسبب إرباكاًُ للحكومة في مشاريعها المستقبلية و أوضاع السوق و يتسبب ضمور الشفافية إلى ظهور طبقتين في المجتمع، طبقة تستأثر بكل الامتيازات و تحتل المراكز العليا في المؤسسات الاجتماعية و الاقتصادية و طبقة محرومة من متطلبات الحياة عرضة للكوارث و التقلبات و لكنها تعاني بالوقت نفسه من ضمور الشفافية الاجتماعية فهي وسط بيئة مؤاتية لشتى الانحرافات ويصبح الوضع الإداري تتلاعب به العوامل التالية: 1- عدم احترام وقت العمل. 2- المحسوبية. 3- الرشوة. 4- التسويف في انجاز المعاملات. 5- سوء استعمال السلطة. 6- الإهمال في العمل و بيع أسراره. 7- قبول الهدايا. وفي هذه الحالة تنهار سلطة القانون لتسحب معها كل القيم الأخلاقية النبيلة و تظهر طبقة جديدة لها ثقافتها و أسلوبها و تنضم مراكز القوة لها بحيث تسحق من يقف أمامها ويصبح ليس مهما أن تكون شريفا أو سيئا تمارس أعمالاً قذرة أو صفقات نظيفة وإنما العامل الحاسم هو القوة و هذا ما حصل في حالة تهريب النفط في العراق فقد تكونت مجموعة قادرة على إخفاء الحقائق و تتحكم بالتقارير الأمنية و السياسية ولا سبيل إلى محاسبتها و مساءلتها. إن مجاميع من هذا النوع بما تحصل عليه من مكاسب مادية تستطيع أن تتبوأ مراكز عليا و تصبح فوق المساءلة و قد تكسب حصانة و تحيطها طبقة من المتحذلقين و الوصوليين و الأقارب و الأصدقاء فهي تعتمد على الولاء و ليس الكفاءة بما تمتلك من قدرة على التحايل و التلاعب بالمال العام . إن منظمة الشفافية الدولية التي أنشئت عام 1959 ومقرها برلين و شعارها (الاتحاد العالمي ضد الفساد)تعتبر الفساد وحشاً يفترس خطط التنمية و المنح و المعونات و القروض التي تقدم للدول النامية .إن المنظمة تعتمد في عملها على العناصر التالية لتحقيق أهدافها: أولاً: بناء شبكة تحالفات على المستوى المحلي و الإقليمي و العالمي تضم الحكومات والمجتمع المدني والقطاع الخاص من اجل مكافحة الفساد بكل أشكاله . و كلمة تحالفات تحتاج إلى توضيح فالتحالف يتطلب وجود مصالح ما هي مصالح الأطراف المشاركة في التحالف وهنا يجب خلق مصالح تجعل هذه الأطراف تسهم في القضاء على الفساد . ثانياً: المساعدة في تصميم و تنظيف نظم النزاهة الفعالة و هذه تحتاج إلى: العنصر البشري الكفء و الفعال و الخاضع لتجارب تثبت نزاهته. نظم غير قابلة للاختراق من خلال التنفيذ. ثالثاً: تجميع و تحليل المعلومات و زيادة الوعي العام بالأضرار المهلكة للفساد على الإنسان و التنمية الاقتصادية . و هذه النقطة تقودنا إلى أن الفساد الاجتماعي و السياسي يقود إلى الفساد الاقتصادي. إن انجازات المنظمة طبقا لتصريحات المسؤولين فيها كما على الموقع الخاص بها. تحريك موقف البنك الدولي من وضع رافض لتقبل فكرة محاربة الفساد إلى جعل رئيسه زعيم الحركة العالمية لاحتواء الفساد. تقديم الدعم لمنظمة دول التعاون الاقتصادي و التنمية في إصدار اتفاقية مقاومة رشوة الموظفين الأجانب الذين يعملون في المعاملات التجارية العالمية. الضغط على دول منظمة دول التعاون الاقتصادي و التنمية وهي(42) دولة من اجل إنهاء تخفيض الضرائب على الرشاوى و تم ذلك في كل الدول تقريبا ماعدا هولندا. كسر حاجز الحذر المفروض في مناقشة أمور الفساد المتعلق بالتجمعات الدولية. إنشاء تحالفات من المنظمات و الأفراد لاختيار حكومات صادقة وأمينة على مستوى العالم و تنمية ممارسات تجارية أكثر تحملاً للمسؤولية الاجتماعية. زيادة فروع المنظمة باستمرار حتى شملت أكثر من (60) دولة على مستوى العالم وهذا يوضح مدى الأهمية التي اكتسبها قضية الفساد اكتساب المنظمة شهرة عالمية كمشارك مهم في معركة الفساد خاصة بعد إصدارها السنوي الذي تنشره المنظمة عن الفساد و ترتب فيه الدول حسب مستويات الفساد فيها يعرف الفساد الإداري كما في موسوعة العلوم الاجتماعية (بأنه تحقيق أرباح أو منافع خاصة أو رشاوى للمسؤولين الإداريين و السياسيين و القضاة). في دول العالم الثالث يجهل الفرد ما هي واجباته و ما هي حقوقه و يعتبر إن له حقوق دون واجبات لانحداره من أسس قبلية توفر له الحماية و الطعام و هو لا يدرك أصول الملكية و حدودها وفي هذه المجتمعات يجب تدريس وتوضيح الحقوق و الواجبات لكي يعرف أبعاد الفساد الإداري . إن العراق الذي خرج من نظام طاغوتي صارم دخل في مرحلة الديمقراطية و لكن من المؤسف إن هذه الديمقراطية كانت تســـير بالتوازن مع الأمور التالية: 1- غياب سلطة القانون تماما وهنا تتحول الديمقراطية إلى فوضى. 2- وجود البطالة. 3- انهيار الطبقة الوسطى ووجود طبقات تحت خط الفقر. 4- غياب آليات الردع المجتمعي. إن العراق الان يجتاحه و باء من الفساد الإداري الذي هو امتداد إلى ما قبل الاحتلال و ما مهد للفساد الإداري في العراق تجاهل قرار مجلس الأمن 1483 الذي يشدد على إن (صندوق تنمية العراق يجب أن يستخدم بطريقة تتسم بالشفافية بما فيه فائدة الشعب العراقي وان جميع الصادرات البترولية و المنتجات البترولية و الغاز الطبيعي المستخرج من العراق يجب أن تتماشى مع أفضل الممارسات السائدة في السوق الدولية ) وفي ذلك الحين أصدرت حكومة الولايات المتحدة أمراً تنفيذيا برقم 13303 يمكن أن يعفي الشركات الأميركية أو الأفراد الأميركيين من المقاضاة المدنية أو الجنائية الدولية أو المحلية إذا زاولوا أي أعمال تتعلق بالنفط العراقي و هذا يحمي الأفراد و الشركات من أي شيء يتعلق ببيع النفط و يتجاوز الحصانة المحدودة الممنوحة في التعامل بالمنتجات البترولية بموجب القرار 1483. في الفساد الإداري يمارس الفرد حريته مع نفسه و مع مجتمعه دون رقابة من قانون أو ضمير و إطلاق العنان لرغباته بحيث تتجاوز حدود الحاجات الطبيعية للفرد و من المؤسف إن الفساد في العراق منهجي ومزمن وهناك تقارير بهذا الخصوص و من هذا الخصوص أحالت المفوضية العامة للنزاهة بالعراق ملفات ثلاث وزراء سابقين في حكومة أياد علاوي إلى القضاء لضلوعهم في عمليات فساد مالي واداري خلال فترة عملهم لاتخاذ إجراء بشأنهم كما وأعلنت تورط وزير الدفاع حازم الشعلان في صفقات حربية مريبة و كذلك وزير الكهرباء الذي نشرت جريدة المؤتمر العراقية تفاصيل عمليات قيامه بصفقات مشبوهة و كان للنائب مشعان الجبوري دور في سرقة ملايين الدولارات المخصصة لتوفير الحماية لانابيب النفط و قد عمل مع ابنه بتجهيز افواج الحماية بمؤن و مواد غذائية لجنود باسماء وهمية و يحصل على رواتبهم الشهرية وتحويلها لمنفعة الارهاب و اعترف الأميركي روبرت ستاين الذي يتولى منصب أمين صندوق لدى السلطة المؤقتة بأنه اختلس مع مسؤولين آخرين مليوني دولار من الأموال المخصصة لاعمار العراق كما أعلنت وزارة العدل الدولية كما انه اعترف من جهة أخرى بأنه تلقى مع مسؤولين آخرين رشاوى تجاوزت مليون دولار نقدا على شكل سيارات ومجوهرات و أغراض قيمة أخرى مقابل عقود لاعمار محافظة الحلة. إن سبل وقف الفساد الإداري تتضمن مايلي: 1- تبادل المعلومات في المجتمع. 2- تنافسية الاقتصاد. 3- انتشار الديمقراطية. 4- مؤسسات مستقلة لمحاربة الفساد. 5- منظمات المراقبة تابعة للسلطة التشريعية وليس للتنفيذية. ان الفساد الاداري وغياب الشفافية يحمل الطوفان الى الدول النامية ليلغى كل مقومات التنمية البشرية والتنمية المستدامة.
المصدر

|